ابن أبي الحديد
35
شرح نهج البلاغة
وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء ، وأقل معونة له في البلاء وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف وأقل شكرا عند الاعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر ، من أهل الخاصة ، وإنما عمود الدين ، وجماع المسلمين ، والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صغوك لهم ، وميلك معهم . * * * الشرح : قال له أنصف الله أي قم له بما فرض عليك من العبادة والواجبات العقلية والسمعية . ثم قال : وأنصف الناس من نفسك ومن ولدك وخاصة أهلك ومن تحبه وتميل إليه من رعيتك ، فمتى لم تفعل ذلك كنت ظالما . ثم نهاه عن الظلم ، وأكد الوصاية عليه في ذلك . ثم عرفه أن قانون الامارة الاجتهاد في رضا العامة ، فإنه لا مبالاة بسخط خاصة الأمير مع رضا العامة ، فأما إذا سخطت العامة لم ينفعه رضا الخاصة ، وذلك مثل أن يكون في البلد عشرة أو عشرون من أغنيائه ، وذوي الثروة من أهله ، يلازمون الوالي ويخدمونه ويسامرونه ، وقد صار كالصديق لهم ، فإن هؤلاء ومن ضارعهم من حواشي الوالي وأرباب الشفاعات والقربات عنده لا يغنون عنه شيئا عند تنكر العامة له ، وكذاك لا يضر سخط هؤلاء إذا رضيت العامة ، وذلك لان هؤلاء عنهم غنى ، ولهم بدل ، والعامة لا غنى عنهم ولا بدل منهم ، ولأنهم إذا شغبوا عليه كانوا كالبحر إذا هاج واضطرب ، فلا يقاومه أحد وليس الخاصة كذلك .